أثار بيان مطوّل نشره الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصّته للتواصل الاجتماعي موجة جديدة من الجدل السياسي في واشنطن، بعدما تضمّن هجوماً شخصياً حاداً على النائبتين الديمقراطيتين إلهان عمر ورشيدة طليب، إضافة إلى الممثل روبرت دي نيرو والممثلة روزي أودونيل، مستخدماً أوصافاً تطعن في الاتزان العقلي وتلمّح إلى ضرورة «إبعاد» خصومه عن البلاد. وقد جاء النص في أعقاب جلسة حالة الاتحاد التي شهدت مداخلات احتجاجية من بعض الأعضاء الديمقراطيين داخل الكونغرس.
البيان المنسوب للرئيس وصف سلوك عمر وطليب خلال الجلسة بأنه «صراخ هستيري» في وجه حدث «مهم وجميل»، وادّعى أنّ ملامحهما عكست «عيوناً جاحظة محتقنة» توحي، بحسب تعبيره، بأنهما «مختلّتان عقلياً» وتستحقان «الإيداع في مؤسسة» متخصصة، قبل أن ينتقل إلى اتهامهما بأنهما «فاسدتان وخطرتان على البلاد» وأن وجودهما في الحياة السياسية لا يمكن أن يفضي إلا إلى «إلحاق الأذى» بالولايات المتحدة.
وتضمّن النص إشارة مباشرة إلى عبارة سبق أن أثارت نقاشاً واسعاً قبل أعوام حين دعا ترامب بعض المشرّعات من أصول مهاجرة إلى «العودة من حيث أتين»، إذ كرّر الفكرة نفسها تقريباً بقوله إنّ على الولايات المتحدة أن «تعيدهما بأقصى سرعة إلى المكان الذي جاءتا منه»، ما يعيد إلى الواجهة الاتهامات الموجّهة إليه باستخدام خطاب ذي إيحاءات عنصرية تجاه مسؤولين منتخبين يحملون الجنسية الأميركية الكاملة ويتمتعون بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها سائر الأعضاء في الكونغرس.
وامتدّ الهجوم إلى الساحة الثقافية، إذ خصّ ترامب الممثل روبرت دي نيرو بوصفه «مهووساً» به ومصاباً بـ«انهيار عاطفي»، معتبراً أن دموعه في مناسبة علنية دليل على «مرض أشدّ» ممّا ينسبه إلى شخصيات أخرى ينتقدها تقليدياً، كما قارن بينه وبين روزي أودونيل، واصفاً إياهما بأنهما «محدودا الذكاء» إلى حدّ يجعله يشكّ، كما قال، في قدرتهما على إدراك ما يقولانه أو يفعلانه، بل ذهب إلى التلميح إلى أن بعض تصرّفات دي نيرو «قد تحمل شبهة جنائية».
ويأتي هذا الخطاب في لحظة سياسية داخلية تتّسم باستقطاب حاد بين البيت الأبيض والأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، بينما تستعد البلاد لدخول مرحلة تشريعية جديدة بعد انتخابات منتصف الولاية الأخيرة، ما يمنح أي خطاب منسوب للرئيس، حتى وإن نشر على منصة خاصة، وزناً مؤسسياً إضافياً نظراً إلى أثره المحتمل على مناخ النقاش العام وعلى سلامة المناخ الانتخابي المقبل. ويرى عدد من الباحثين في القانون الدستوري الأميركي أن استخدام رئيس في منصبه عبارات تمسّ السلامة العقلية لمعارضين مباشرين أو تشكّك في انتمائهم الوطني يضع اختباراً عملياً لمبدأي حرية التعبير والمسؤولية السياسية، خصوصاً عندما يوجّه الكلام إلى أعضاء في السلطة التشريعية نفسها.
وفي الوقت الذي تترقّب فيه الأوساط السياسية ردّ فعل رسمي من عمر وطليب، تواصل منظمات حقوقية وأكاديمية مراقبة اللغة المستخدمة في البيانات الصادرة عن المسؤولين الكبار، تحسّباً لأيّ تجاوز يمكن أن تتحوّل معه المناوشات الخطابية إلى مناخ ضاغط على المشاركة السياسية للفئات الأقل تمثيلاً أو ذات الخلفيات العرقية والدينية المتنوعة. كما يشير متابعون إلى أن تكرار استحضار خطاب «إرسال» شخصيات معارضة إلى خارج البلاد، حتى إن ظلّ في إطار تعبيرات سياسية حادّة، قد يترك أثراً تراكمياً على صورة النظام الديمقراطي الأميركي في الخارج، في وقت تحاول فيه واشنطن تأكيد التزامها بحرية التعبير والتعددية السياسية في سياستها الخارجية.