كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن معطيات تفصيلية من داخل منصة تداول العملات المشفرة «بينانس» تفيد بأن فريقاً من المحققين الداخليين رصد تدفق ما يقرب من 1.7 مليار دولار من الأصول الرقمية إلى جهات في إيران مرتبطة بتنظيمات مصنفة إرهابية، وذلك في فترة تمتد عبر العامين الأخيرين تقريباً وفقاً لما ورد في التحقيق المنشور بقسم التكنولوجيا في الصحيفة الأميركية. وأفاد التقرير بأن التحقيقات الداخلية ركزت على مسارات معقدة لتحويلات تمت باستخدام عملات مستقرة مثل «تيثر» وعبر شبكات بلوك تشين ذات كلفة منخفضة وسرعة عالية في تنفيذ المعاملات، ما أتاح – بحسب ما نُقل عن وثائق داخلية – تمرير مبالغ كبيرة مع درجة عالية من صعوبة التتبع العملي رغم شفافية السجلات العامة.
ووفق الرواية التي نقلتها الصحيفة عن وثائق ومنسوبين سابقين وحاليين في الشركة، بدأت مسار التدقيق حين تلقت وحدة الامتثال في «بينانس» استفسارات من جهات إنفاذ قانون في إسرائيل حول مسارات تمويل محتملة لجهات مدعومة من إيران، الأمر الذي دفع فريق التحقيقات إلى تتبع حسابات مرتبطة بشركات وسيطة متمركزة في هونغ كونغ، من بينها كيان يحمل اسم «هيكسا وايل تريدينغ ليميتد» قيل إنه استخدم المنصة لتحويل نحو 490 مليون دولار إلى محافظ مرتبطة بجهات إيرانية. وبيّنت المعطيات ذاتها أن مراجعة أوسع لبيانات التداول الداخلية أظهرت وصول حجم التحويلات الإجمالي إلى حوالي 1.7 مليار دولار موجّهة إلى أطراف إيرانية مختلفة، بعضها يشتبه بارتباطه بالحرس الثوري الإيراني وشبكات تمويل مرتبطة به، مع الإشارة إلى أن هذه العلاقة استندت إلى تقاطعات بين محافظ رقمية رُصدت سابقاً في سياق تتبع تمويل جماعات مسلحة.
التقرير أوضح أن فريق التحقيقات في «بينانس» توصل أيضاً إلى أن إحدى الشركات التي تتعامل مع المنصة بصفة مزوّد خدمات فيiat، وتحمل اسم «بليسد تراست» ومقرها هونغ كونغ، لعبت دور قناة رئيسية لتدفق ما يقدَّر بـ1.2 مليار دولار إلى جهات مرتبطة بإيران خلال العامين الماضيين، بحسب ما أفصحت عنه وثائق اطلع عليها المحققون الداخليّون. ووفق تلك الوثائق، جرى الربط بين المحافظ التي استقبلت جزءاً من هذه الأموال وبين محفظة قيل إنها خاضعة لسيطرة طرف على صلة بالحرس الثوري الإيراني، المصنف تنظيماً إرهابياً من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع تأكيد من جانب متحدثة باسم «بينانس» لاحقاً أن هناك «ثلاث درجات فصل» على الأقل بين الشركة الوسيطة والمحافظ المنسوبة للحرس الثوري.
وتنقل «نيويورك تايمز» أن المحققين أعدّوا تقارير داخلية رُفعت إلى المستويات التنفيذية العليا داخل الشركة تضمنت تفاصيل هذه التحويلات، وأوصت باتخاذ إجراءات صارمة تشمل إغلاق الحسابات المعنية، وتوثيق النتائج للتعامل مع الجهات التنظيمية والقضائية. غير أن ما أعقب ذلك، وفق روايات منسوبة إلى مصادر داخلية ووثائق اطلعت عليها الصحيفة، كان تعليق عمل عدد من أعضاء فريق التحقيق ثم فصل بعضهم من مهامه خلال أسابيع من رفع التقارير، ليرتفع العدد – بحسب تقديرات متطابقة نُقلت في تقارير صحافية أخرى – إلى ما لا يقل عن أربعة موظفين خضعوا للفصل أو الإيقاف، إلى جانب مغادرة عدد من مسؤولي الامتثال البارزين الشركة في الأشهر اللاحقة.
في المقابل، نقلت الصحيفة عن مسؤولة التسويق في «بينانس» رايتشل كونلان تأكيدها أن الشركة اتخذت بالفعل خطوات لمعالجة المعاملات التي أُشير إليها في تقارير المحققين، شملت إغلاق الحسابات المرتبطة بالتحويلات إلى جهات إيرانية وإخطار السلطات ذات الصلة. وشدّدت المتحدثة على أن أي إشارة إلى سماح الشركة «عمداً» بمرور نشاط خاضع للعقوبات من دون مراقبة تعد «ادعاء باطلاً وتشويهاً» للشركة، مضيفة أن قرارات الفصل أو الإيقاف التي طالت بعض الموظفين لم تكن مرتبطة بإثارة مخاوف امتثال، بل – وفقاً لتوصيفها – بمخالفات تتعلق «بتسريب غير مشروع لمعلومات سرية تخص عملاء» المنصة.
ويأتي الكشف عن هذه المعطيات في سياق حساس بالنسبة لـ«بينانس»، إذ سبق للشركة أن أقرت عام 2023 بانتهاكها قواعد مكافحة غسل الأموال وسماحها لمستخدمين من دول خاضعة للعقوبات، من بينها إيران، بالتداول على منصتها، ما انتهى إلى تسوية مع السلطات الأميركية شملت دفع غرامات تصل إلى 4.3 مليارات دولار وخروجاً من السوق الأميركية، إضافة إلى إدانة مؤسسها تشانغبينغ تشاو ومعاقبته بالسجن أربعة أشهر في 2024 قبل أن يحصل على عفو رئاسي في الولايات المتحدة سنة 2025. وأُعلن لاحقاً أن الشركة شرعت في تعزيز فرق الامتثال لديها، مستعينة بعناصر سابقة من أجهزة إنفاذ القانون وخبراء في تتبع المعاملات على شبكات البلوك تشين، غير أن التقارير الأخيرة بشأن فصل محققين داخليين بعد إثارتهم شبهات تتعلق بتحويل أموال إلى جهات إيرانية أعادت طرح أسئلة حول مدى صلابة التحولات التنظيمية التي تقول الشركة إنها أجرتها في السنوات الأخيرة.